علق الزميلان محمد الصادق وأحمد الربح على التقرير السنوي لمنظمة حقوق الإنسان العالمية بخصوص وضع الشيعة في السعودية، والمعنون بـ "الحرمان من الكرامة"، وقد أشار كلا الكاتبان إلى الوضع المخزي الذي وصلت إليه أحوال الشيعة في المملكة. واقترح الأخ الربح بإقامة مؤتمر عام لعموم الشيعة في المملكة، وللكف عن ثقافة العرائض التي درج عليها كبار القوم منذ تأسيس المملكة. وأجد أنه من الحق الإشادة بكلا المقالين، ولكني وجدت أن كلاهما قد رمى بجل المسألة على الجانب الرسمي في الدولة، وأنا في رأيي أن التوجه الرسمي من الدولة تجاه الشيعة هو نتيجة وليس أصلاً. قد يختلف معي الكاتبين، وقد يختلف معي القارئ الكريم، ولكن دعونا ننظر للأمر بنظرة متأنية راوية، قبل أن نطلق أحكامنا الأخيرة على مسألة حساسة كهذه، ومن الضروري هنا أن ننظر للنسق التاريخي للشيعة منذ تأسيس الدولة وإلى حد لحظتنا هذه.
انضمام القطيف والأحساء للمملكة:
عندما أرسل الملك عبد العزيز - رحمه الله - رسله للقطيف والأحساء، انقسم الناس بين مؤيد ومعارض للانضمام للحكم الجديد، وقد كان لكل فريق أسبابه ومبرراته لهذا، ولكن ما يحزن قلب القارئ لهذا التاريخ أن أهل القطيف لم يحزموا أمرهم داخلياً، ومن ثم جهروا به، بل انقسموا كالأطفال الذين يتعاركون على قطعة حلوى، فقام بعضاً من الفريق المؤيد للتسليم بمراسلة مندوب الملك وإخباره بما جرى!! وعندما حزم أهل القطيف أمرهم على التسليم، كان غيرهم ينظر إلى هذا التسليم بعين ضعفهم وتشتت أمرهم!!
الضرائب والمظلوميات:
بعد التسليم للملك عبد العزيز رحمه الله، فرضت على الأهالي في القطيف والأحساء ضريبة الجهاد، إضافة على ضريبة الزكاة، أي عوملوا معاملة أهل الكتاب في دفع الجزية، وعندما طالب بعض وجهاء القوم في ذلك الوقت بإلغائها لدى الأمير بن جلوي، وسجن هذا الوجيه لامتناعه عن الدفع، لم يتحرك بقية القوم لإخراجه، فاتضح لدى الجهة الأخرى درجة ضعف هذا المجتمع في مطالبته بحقوقه، ودرجة جبنهم.
حركة الشيخ محمد بن نمر:
بعد حركة الاحتجاج التي قام بها المرحوم الشيخ محمد بن نمر، وبدلا من احتوائه داخليا من قبل الوجهاء، قام الوجهاء بلومه على رؤوس الأشهاد، وقد وأدوا حتى المطالب التي قام الاحتجاج من أجلها بتثبيط الناس عنه، هذا بدلا من احتواء الأزمة بالمطالبة السلمية لحاجات الأهالي، فلم يكون لدى المسئول أي دافع لتلبية هذه المطالب طالما أن الوجهاء قاموا بوأدها!!
أحداث 1400هـ:
في خضم سيل الدماء، انقسم المجتمع إلى قسمين، وأصبح كل قسم يلعن الآخر، ويحمله المسؤولية، وبدلا من الوقوف وقفة رجل واحد في تهدئة الوضع، والمطالبة بتحميل المسئول الحقيقي مسئولية قتل الأبرياء، أخذ بعض الوجهاء بشوتهم ليقفوا بأبواب المسئولين ليعلنوا براءتهم مما حصل!!المنسييون التسعة:
وبعد اتضاح الرؤية في التفرقة في المعاملة بين إرهابيي القاعدة، وسجناء جوانتنامو المفرج عنهم، وبين المساجين التسعة منذ ثلاثة عشر عاما بلا محاكمة، أو ذنب يستحق هذا، لم نجد التحرك المناسب من قبل الوجهاء لحل هذه الأزمة، وكأننا فعلا قد نسيناهم، وحتى إن كانوا قد أخطئوا، فهل يستحقون السجن ثلاثة عشر عاما دون محاكمة، وفي المقابل نجد أن إرهابيو القاعدة العائدين، تصرف لهم الإعانات والرواتب!!.
قصة أخيرة:
يذكر أن بعض الوجهاء بقيادة المرحوم الشيخ عبد الحميد الخطي كانوا في لقاء مع الملك فهد – رحمه الله - وفي نهاية اللقاء سألهم الملك إذا كان لهم حاجة يقضيها، فرفع إليه الشيخ الخطي بعض الحاجات الملحة، ووعده الملك خيرا، وبعد خروجهم من لقاء الملك، انهال الوجهاء على الشيخ باللوم والتوبيخ، بحجة أنهم ربما فقدوا حظوتهم لدى الملك برفع هذه المطالب!!!!!
خلاصة:
ما ذكرته أعلاه هو مجرد أمثلة تبين بكل وضوح الانقسام الحاد داخل المجتمع الشيعي، تاريخيا، وحتى يومنا هذا، اليوم ينقسم المجتمع بين تيارين، يرمي كل منهما الآخر بشتى التهم، نحن يا سادة مجتمع تنخره التجاذبات التيارية، والفتن الدينية، والمناطقية، فهل سينجح مجتمع كهذا في عقد مؤتمر عام للشيعة، ونحن لا نستطيع أن ترى عمامتان في مسجد واحد؟؟ فحتى عندما عاد الوفد الأخير الذي تألف بعد أحداث البقيع، دارت بين الكواليس انتقادات تافهة بين تيارات الوفد، كل تجاه الآخر!! إن أي مؤتمر يعقد، وفي ظل هذا الإنقسام الاجتماعي الواضح، سيكون مآله مآل أي اجتماع قمة عربي، فالمشكلة يا سادة هي أننا متشتتين، نكره بعضنا البعض، ولأسباب ما أنزل الله بها من سلطان. إن توحيد الكلمة، ورص الصف الاجتماعي هو أول خط دفاع يحتاجه من سيطالب بحقوق الشيعة في المملكة، وهذا ما سنحتاجه لعقد هكذا مؤتمر